رفيق العجم

4

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني

الغضب والأنفة ومقتضى القوة البشرية في ذلك ، فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة ، وهي تؤدي إلى الهرج وسفك الدماء وإذهاب النفوس ، المفضي ذلك إلى انقطاع النوع ، وهو مما خصّه الباري سبحانه بالمحافظة ، واستحال بقاؤهم فوضى دون حاكم يزع بعضهم عن بعض ؛ واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم ، وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكّم ولا بدّ في ذلك من العصبية لما قدّمناه من أنّ المطالبات كلّها ، والمدافعات لا تتمّ إلّا بالعصبيّة . ( مقد 2 ، 573 ، 8 ) اجتماع وعصبية - اعلم أنّ كل حيّ أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام ففيهم أيضا عصبيّات أخرى لأنساب خاصّة هي أشدّ التحاما من النسب العام لهم ، مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو إخوة بني أب واحد لا مثل بني العم الأقربين أو الأبعدين . فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام . والنّعرة تقع عن أهل نسبهم لمخصوص وعن أهل النسب العام ؛ إلا أنّها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة . والرئاسة فيهم إنّما تكون في نصاب واحد منهم ولا تكون في الكل . ولمّا كانت الرئاسة إنّما تكون بالغلب وجب أن تكون عصبيّة ذلك النصاب أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب بها وتتمّ الرئاسة لأهلها . فإذا وجب ذلك تعيّن أنّ الرئاسة عليهم لا تزال في ذلك النصاب المخصوص بأهل الغلب عليهم ؛ إذ لو خرجت عنهم وصارت في العصائب الأخرى النازلة عن عصابتهم في الغلب لما تمّت لهم الرئاسة . فلا تزال في ذلك النصاب متناقلة من فرع منهم إلى فرع ، ولا تنتقل إلّا إلى الأقوى من فروعه ، لما قلناه من سر الغلب . لأن الاجتماع والعصبية بمثابة المزاج في المتكوّن ؛ والمزاج في المتكون لا يصلح إذا تكافأت العناصر ؛ فلا بدّ من غلبة أحدها ، وإلّا لم يتم التكوين . فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبية . ومنه تعيّن استمرار الرئاسة في النصاب المخصوص بها كما قرّرناه . ( مقد 2 ، 489 ، 2 ) اجتماع وعمران - إن الاجتماع للبشر ضروري ، وهو معنى العمران الذي نتكلّم فيه ، وأنه لا بدّ لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه . وحكمه فيهم : تارة يكون مستندا إلى شرع منزّل من عند اللّه يوجب انقيادهم إليه إيمانهم بالثواب والعقاب عليه الذي جاء به مبلّغه ؛ وتارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقّعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم . فالأولى يحصل نفعها في الدنيا والآخرة لعلم الشارع بالمصالح في العاقبة ، ولمراعاته نجاة العباد في الآخرة ؛ والثانية إنما يحصل نفعها في الدنيا فقط . ( مقد 2 ، 773 ، 3 )